الاثنين، 6 أغسطس 2012

مديرى



يجعلني مديرا، رغما عني، يري بي، ما لا أراه بنفسي، يؤمن بي، ويتحمل جهلي وقلة خبرتي، يصبرعليّ ويتحملني، يعطيني صلاحيات مطلقه، ويحرر يدي في كل الأمور، يضخم من حجمي وشأني، ويخبر الجميع أنني مديره بالنيابة وذراعه اليمني، يخبرني أنه يحبني جدا .. ويحبني جدا بالفعل، يرغب أن أكون ساعده الأيمن وان أتعلم منه لأكون خليفته، يتغاضي عن أخطائي الكثيرة وسهوي وفوضويتي وغلطاتي ولا مبالاتي وسوء تصرفي وسوء إدارتي وإسرافي الزائد وسوء تقديري للأمور.

 يتغاضي عن تحيزي للعاملين لديه وربما معاداتي له، يتحملني ويتحملني ويتحملني، ويغض الطرف عن حماقاتي وإهاناتي العديدة عن غير قصد مني، يؤثرني عن كل من يعمل لديه، يفضي إليه بأسراره ، يدعونى علي الطعام آني له أن يأكل، آكل مما يأكل، وربما أكثر، فهو لا يأكل، هو فقط يستمتع بالأكل والباقي لي، تمتلئ به معدتي الغبية، يعاتبني علي سلوكي في اخذ الطعام المتبقي معي ويريدني ان ارقي بسلوكي.

 أتصرف في ماله كأنه مالي وربما أكثر، انفق ببذخ وفي ترف، وكأنني صاحب العمل، يطلعني على أسراره وأمواله ومكاسبه ومشاريعه القائمة والآتية، يطلعني علي صور أطفاله، يصر علي مساعدتي وتزويجي ورفع راتبي لمبلغ لم احلم به، يمازحني ويتبسط معي ويضحك ملء فيه، يحب الجلوس معي والسهر والفضفضة، يقربني إليه جدا وكأننا اصدقاء حميمين منذ زمن بعيد، اجلس بغرفته، علي سريره، آكل من طعامه ويعد لي الشاي بيده.

يتجاهل عقلي المسطح ووعي الفارغ وفوضويتي ولا مبالاتي وسلبيتي وسوء تقديري وتهويني للأمو، كل هذا الحب والاهتمام والدعم والتأييد والمساندة والتقريب والفرصة الأهم في حياتي منه.

أعانده وربما أعاديه وأتحامل عليه وأتكلم معه بصلف وبكلام غير لائق لا يجوز ولا يصح أن يصدر مني إليه، أحطم مساحة الود والسماحة التي حرص هو علي إنشائها وحمايتها، بيني وبينه بتصرفاتي وردودي الخرقاء، المساحة التي وضعها محل الرسمية بين المرؤوس ورئيسه، بيني وبينه، أتجاهل بعض مكالماته وتواصله معي من اجل العمل بلا ادني احساس بالمسئولية كأنني طفل، أغلق هاتفي باليوم واليومين وأربض في سريري غاضب من لا شيء أو من أشياء أبدو أنا الأحمق فيها، يتحمل تصرفاتي الطفوليه الغير مسئوله وكأنه مرغم وهو ليس بمرغم.

من اجل حفنة جهلة جبناء، وبفضل " لؤم الفلاحين " ، وبفعل عاطفتي العمياء وسذاجتي انحاز لهم، ويتخلّوا عني في منتصف ثورة لئام مصطنعة هم ألبادئيها، حذرني هو منها ومنهم ومن المصري، أي مصري في الغربة .. لا تأمن جانبه، لا تؤمن به، لا تتحمس أو تتحيز له، سوف يبيعك عند أول فرصة أو مصلحة .. وقد كان ، لم أنصت لكلامه، مر علي عقلي الفارغ كبخار ماء علي سطح أملس.

كنت المدير، يحترمني الجميع ويقدرونني من اجله ومن اجل ارتباطي به، أتصرف كما يحلو لي، أتحرك في المكان بكل حرية، أقيم العلاقات مع الكل، اشتري أي شيء في صالح العمل وحثي في صالحي، ارتاد أفضل المطاعم وأفخم محلات الملابس، ارتدي مثلما يرتدي، ومثلما لم ارتدي، تنتعل قدمي حذاء (ecco) بثمانمائة جنيه مصري، كل راتبي في مص، يتعلق علي كتفاي (pullover) (Debinhams) من صوف انجليزي اصلي للمرة الاولي في حياتي.

 هو حسن الذوق، يتخير ثيابا غالية ومصممه بعناية من بيوت أزياء كبيرة، تجعله كنجوم السينما  بجسمه الممشوق من دون رياضه ومشيته المميزة المتباهية وابتسامته الخفيفة الدائمة، أصبحت ارتدي مثله وأشبهه، أمرني مرارا أن اشتري جهاز تليفون محمول جديد بدلا من جهازي القديم فلا يليق به وبي وبصورة شركتنا، ولم امتثل له ، كان يريدني أسدا في موقعي – وظهرا له – علي حد قوله كان يحلم ويطمح ان اكون عند حسن ظنه الذى حاول ان يصر عليه.

لم يرضي لي ولا للولاد – كما كان يحلو له ان يطلق عليهم -  ان نسكن في سكن حقير نتجمع فيه كالحيوانات، استأجر لنا دورا كاملا بفندق يكاد يكون بمستوي الخمس نجوم ينزل هو نفسه فيه، نتمتع فيه بإعاشة وخدمه فندقيه وخدمة غسيل وكي الملابس وتنظيف وترتيب الغرف والانترنت المجاني المتاح دائما والستالايت المركزي .

كنت اجلس بغرفتي في الفندق اتامل مساحتها ونظافتها والشمس المتسلل نورها ودفئها إلي، وأتحسس كميه الراحه المتسلله الي وانا متواجد بها والسعادة التي أحس بها، وأتذكر شقتي الحقيرة في مصر في الدور الارضي الاقرب للبدروم  التي أصرت الرطوبه علي الفتك بجدرانها وبعظامي، والتي يغيب عنها النور والشمس تماما .. كمعتقل مثالي لمذنب عنيد.

أتذكر ثيابي وهي تأتيني بغرفتي الحميمه بالفندق من المغسلة، مكوية ونظيفة ومعلقة علي شماعات، واتذكرنى وأنا اغسل ثيابي في مصر، في مطبخ ضيق، تتلف يدي من الماء ويتلف ظهري اكثر من الوقوف والانحناء، واخرج لأنشرها كالنساء في ممر اقرب للضريح خلف المنزل اضطر للانحناء للمرور من بابه والنداء علي الجيران السفله الذين يلقون فيه بفوطهم الصحيه واكياس الطعام الفارغه وربما طعام فائض وكأنه مكب للنفايات لينفون كلهم انهم القوا شيئا ، اجمع تلك النفايات واضعها في صفيحة الزباله لأجد مزيدا من الطبيخ والفضلات قد فتكت بملابسي وربما أفسدتها، لأرتديها فاسدة.

 اخرج من القمقم الذي اربض به منذ اكثر من ربع قرن، ليحتضن التراب الغزير القذر حذائي المسكين، تتعارك حبيباته مع حبيبات الورنيش الذي استغرق مني ربع الساعه لتلميعه وربع الدقيقه لاختفائه، بعد معركة التراب الداميه، عكس ارض السالمية بالكويت المرصوفة النظيفة، التي كنت احتال عليها حتي تعطيني فرصه لالمع حذائي.

 انحشر في سيارة أجره اقرب لقطعة الخرده يقودها سائق ربما اهترأ من الجلوس خلف عجلتها، لا يكف عن الرغي والشكوي، يقذفني الي طوفان بشري من اعداء الماء المحتلين للمترو حتي مكان عملي بالدقي، هنا تأتيني سيارة حتي الفندق وتنتظرني لو تأخرت، اعمل في شركة كبيره الكل فيها حظي بتربية جيده واخلاق اجود ، اتحسس ادميتي للمرة الاولي منذ ربع قرن او يزيد  وافكر به ..

اشكره في سري  وارجو ان يسامحني  واصمت.

وأتذكر المثل الصيني المطابق لكلامه
" بعض العوم لا يمكن تعلمه الا بالغرق "

واشكره ثانية علي ما علمني .. وما زال يعلمني
وارجو ثانية ان يسامحني .. فقط يسامحني .. ولا شيىء اكثر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق