الجمعة، 24 أغسطس 2012

إصطباحه



كعادتى .. لا املك مالا كافيا
كعادتى .. أعشق التمتع بآدميتى

أستقل تاكسي من أمام بيتى حتى محطة المترو، فأنا كسول لا احب المشى، ولأنها أيضا مسافة ترابية بحكم كونها فى منطقه عشوائيه، تجعلنى بعد اجتيازها، كخروف ولغ فى والوحل فى لحظة سعادة، أضافه إلى تحول لون حذائى الاسود بعد ان أكون قد امضيت نصف ليله كاملة فى تلميعه الى اللون الترابى، تفشل معه كل محاولات ماسحى الاحذيه العتيدين الرابضين امام محطة مترو الأنفاق بالدقى فى إعادة الحياة إليه!

وحتى يكفينى مالى الذى دائما  لا يكفينى، أتقمص شخصية ابن البلد حين اركب مع اى سائق تاكسى، فأبادره بحميمية عن روعه هذا الجحش الذى يغنى اغنيه يستمع هو اليها مما يعطيه احساسا بان استاذا مثلى يشهد فى حقه هو السائق بأنه سليم الذوق، وينفرد سائقى التكسيات بصفتين كلاهما اسوأ من الأخرى،  الأولى أنهم لابد أن يرغوا،  اى يتكلموا كثيرا، هناك شيء غامض وغبى فى جيناتهم هم فقط، يجعل الرغى والكلام الكثير داءا فيهم، ربما من كثرة الجلوس فى التاكس، ربما من تقلص حياتهم الاجتماعية الى دجاجات مقيمه فى تلك الغرفة الحديدية لتفرز بيض اليوميه الحتمى الذى يحافظ .. فقط يحافظ على حياة مجموعه لا داعى لوجودها اصلا من اكوام اللحم البشرى العشوائي  غامض المستقبل، التى ينتمون اليها ويسمونها عائلاتهم!

حتى تحولت الى كائنات غير متوحدة تجبر الزائر على التوحد معهم فلن يظلوا طوال النهار والليل صامتون او يكلموا انفسهم لابد ان يتكلموا ولابد ان يسمع احد، ولا احد يوجد غير الزبائن فليكونوا اذن هم، ولتتفرق اللعنة عليهم، فالزبون سوف ينزل بعد قليل ولن يضره أن يستمع قليلا اليه ولو لم يرضخ لرغبته الملحة فى الشكوى والكلام ، فلينزل وسوف يصعد غيرة بالتأكيد ، ممن تكتظ جيوبهم بالنقود واجسادهم بالكسل ، وعلى استعداد لالقاء انفسهم امام التاكسى لكى يوافق على توصيلهم!

 الصفة الثانية والأبغض .. هى الشكوى، هم لا يكفون عن الشكوى، منذ ركوبى وحتى نزولى متجاهلا باقى حديثة المستمر، شكوى شكوى شكوى، ربما كانت حقيقيه، وربما اكثر لجلب الشفقة والعطف والمزيد من الاجرة من جيوب الزبائن خاصة المقتدرين او المغفلين " عيشة تقصر العمر وتجيب الفقر، البنزين غلى وقطع الغيار ولعت ومصاريف العيال زادت والولية ما بطبطلش طلبات " وأنا مال اهلى ، يارب تتحرق انت والعيال والولية والتاكس ف ساعة واحدة، انا راكب عشان اسمعك ولا عشان اتنيل الحق اروح شغلى، قبل ما المديرة بتاعتى تنكد عليا على الصبح!

 كل ذلك يدور فى عقلى وارغب فى افراغه على اذنية المملوئتين بعش قديم لعنكبوت عجوز، ولكنى ابتسم ابتسامة ودودة واتظاهر بالتعاطف معه، " حتى لا ينظر الى الاتنين جنيه اللى ها احطوهوم فى ايدة  بعد ما انزل و يعدهم ويقاطع ويطلب اكثر "!

أفكر كثيرا فى نفس الاشياء كل يوم، لو ركبت معه وحدى سوف اعطية 3 جنيه، كنت فى السابق أعطيه أتنين بس، الله يحرق الحكومة غلت البنزين علينا مش عليهم، ولو ركب معايا حد، ها أديله اتنين جنيه بس،ماهو كدا بقى موكروباظ مبقاش تاكس، واهى فرصة اوفر، وان فات عليك الغصب اعمله بجميله!

يصل التاكسي إلى محطة المترو والسائق مستمر فى رغيه اخرج من جيبى الاتنين جنيه بيد، وامسك مقبض الباب بجانبى باليد الاخرى وكأننى استعد للقفز بمظلة، أدسهم فى يده ، يأخذهم من يدى ولا ينظر لهم ويرفعهم نحو شفتيه ليقبلهم ثلاثا ويلصقهم بجبينه، لأفاجأ بأنهم اصطباحته!

فسائقي التاكسيات، كل سائقي التاكسيات، لا يقاطعون فى الاصطباحة، تتراخى يدى الممسكة بالمقبض في ارتياح وطمأنينة وتتسع ابتسامتي، على نفسى ، فكل يوم افكر فى نفس الاشياء، وكل يوم تحدث نفس النتيجة!

أفكر فى الاتنين جنيه والتلاته جنية والزبون اللى ها يركب معايا ويوفر عليا، وأنسى تماما، كأي مصرى حريص، لا يملك مالا كافيا ، ويعشق التمتع بآدميته، أن سائقي التاكسيات الشكايين الرغايين ، مش بيقاطعو  فى الإصطباحه!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق