الأحد، 2 سبتمبر 2012

نُص سرير



على جدارٍ مائل؛ يفكر فى السقوط، خلعت جدرانه طلائها الأصفر الكالح إلى الأبد، فى غير حياء، كُتب بخط رديء؛ وفى عجلة من خاف أن يراه احدهم فيصافح قفاه فى حميمية " توجد شقق وغرف للإيجار " ، تساءلت هاله زوجة صديقى معتز بعفوية مستنكرة " هو فى حد بيسكن فى اوده؟ " ، هاله بنوته رقيقه تنطق اوده بالدال وليس بالضاد كالعشوائيين امثالى!

 ابتسم لها معتز ابتسامته الودودة التى ينفرج لها فمه انفراجه ضيقة وتضيق عيناه إلا من بريق خفيف، عندما يسأله احدهم عن شيء قد يبدو غريبا ولكنه موجود بالفعل، ومال على أذنها ليشرح لها بحركات يديه الموضحة المألوفة والتى تصاحب دائما كلماته؛ خاصة عندما يهتم بشرح موضوع ما أو إجابة سؤال لشخص ما، موضحا إجابته بتقمص كامل، حتى ليظن السامع أوالمشاهد انه من وضع الإجابات لتلك الأسئلة، لذا فهو أكثر العليمين بإجاباتها!

عندما ترى معتز؛ للوهلة الأولى، لا تملك إلا أن تحبه، أو يأسرك على اقل تقدير، حتى تأنس لهذا الأسر أو ترحل، وعادة تبقى، بقامته المنتصبة كعود خيزران، وصدره البارز فى صلابة، وصلعته البيضاء الناصعة، وعيناه الخضراوان العميقتان الثابتتان عليك فى هدوء وثقة، اللتان تتفحصانك وكأنه احد كهنه الفراعنة، الذين اختاروا الحياة فى القرن الواحد والعشرين!

ثم توقف عن الإجابة حين رآنى أغطى وجهى بكفى، لأغرق فى نوبة ضحك هيستيريه صامته لأواجه زوجته " حضرتك سيادتك مستغربه إن فى حد ممكن يسكن فى اوده! أنا اعرف واحد كان ساكن فى نص سرير فى اوضه فى شقه؛ مش فى اوضه فى شقه، ولو مكنش لقى نص السرير ده، كان هينام على نص رصيف، لا ونص السرير دة كان شرك مع واحد صاحبه خرتيت، كان بينام فى السرير كله، وياخده فى حضنه!

 ناهيك عن كراهية صاحبه للمياه واعتبارها رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه، مكنش بيستحمى؛ حاول كتير يطلب منه يستحمى، فكان دايما يرد علية ويقول له " بررراحتى " وبالليل وهما نايمين فى احلى نومه، يحلاله مزاجة يدخن سوجاره كولوباطرا يخترق دخانها خياشمه فتلدغه من نومه العميق النادر؛ ليتوسل إليه أن يطفئ السيجارة فيردد على مسامعه قولته الشهيرة "بررراحتى "!

 وبعد أن ينتهى من سيجارته، يخرج حبه هولز لكى يغير طعم فمه، على اعتبار أن الخراتيت تهتم بطعم فمها، وبالطبع لا يتعامل مع الهولز بشكل طبيعى، فلا يمتصه؛ وإنما يطحنه تحت أضراسه كحمار عتيد، وعندما ترتفع عقيرته بالرجاء له " يا سامر أبوس أيدك مش عارف أنام " تصطدم أذنه بكلمته الخرتيتيه وصوته الذى اقرب إلى صوت سلحفاة " بررراحتى "!

وسامر هو اسمه، وهو اسم ابعد ما يكون عنه، فهو أليق أن يكون جابر أو عبد الجبار، هو مهندس يعتز بكينونته كمهندس بشكل مَرَضى، لدرجة أن هاتفه المحمول رن فى منتصف ليل ما، ليرد على الطرف الآخر وهو نصف نائم " الو .. مين معايا .. انا مهندس سامر مركز بحوث الإسكان " يجيب على الطالب وهو الذى يتصل!
  
سامر يشبه السلحفاة فى تكوينه، ولكن للحق؛ تنقصه صَدَفه، يستعيض عنها بطبقة من الطمى الناتج عن تراكم سنوات من العداء للماء، قصير وعريض وبطنه مفلطحة، اعتقد من كثرة الزحف، يمشى كمن سرق مساعدين عربه سيات قديمه ليستبدلهما بقدميه، فتراه " يطلع وينزل" وهو يتقدم للأمام، وتنوء ظهره بحملها، فتسقط صدفته الطينية لأسفل مانعة مؤخرته غير الموجودة؛ ربما بفعل الزحف أيضا من الظهور وحزام يتشبث بمنتصف إليته فى خوف كمن سيسقط بعد قليل بشكل أكيد!

منذ أن بدأت أحكى تلك الحكاية؛ وهاله زوجة معتز تضحك وتخفى فمها ووجهها من كثرة الضحك والخجل، وتتصور اننى القى نكته أو اعبث معهم ولم يخطر ببالها قط ولم تصدق ونحن نتركهم فى السيارة ولا بعد ذلك ان ما حكيته لها وأنا اسخر بشدة من كل ما أقوله .. حدث بالفعل .. لي .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق